Friday, May 29, 2020

في البحر سمكة


حينما كنت سمكة
سحبني حبلٌ أخضر من حافة المحيط
وعندما امتلكت عنقاً جميلاً
نقرت فوقه يدٌ شاحبة بلا أصابع
غير أنها كانت تغسلني بالملح كلما أصابني الدوار
وحين غاب القمر ليلتين
سبقني جسدي إلى الاكتمال
واختطفني عبر حلمِ نابضٍ
حتى تورمت أقدام الخيّال الأسمر
الذي كبرتُ من فمه عندما أشار إليّ كصبية
فنجوت من جذوري
كثمار العنب الهاربة للمدينة في سيارات التراحيل
وتخلّق نخاعي بظافرٍ لامعٍ
واستقام عمودي الفقري بلا زهو
وجرى الحبر في عروقي دماً
لتختنف المفردة تحت جلدي
ما تريده
أن تسبح إلى ماضيها
أو تضل الطريق متعمدة
لتزحف فوق صدره
أو تتورد من سُرته
إن الحروف من دمي لدمي
أو للتراكم فوق مسامي
لا تتربص بها شمس يوليو
ولا الخفاش الجائع تحت فراشي
أسلم الحدأة السوداء إرباً من لحمي
فتبصق ما علق به من شِعرٍ
أُجرع حبيبي مائه المُحلى
وأرش أملاحي
في حساء سمكة اليابس
مستها عذوبة النهر
 فجرى دمها في حلقه
واستقامت أشواكها بفخر
كأسلاك معسكرات أوشفيتز
  يمكن لرعب تشبيهٍ كهذا أن يقتلني مرتين
وللسمكة أن تغرق مرتين
إذا قبلها القبطان على بطنها.




Friday, April 3, 2020

Juxtaposition




You locked me outside for a hundred years
That’s where I learned to be

But my knuckles
they grew so sensitive to pain
And then
you slowly pulled the curtains
I’ve never seen an auditorium so small
Can it be a dream?
Remains of your essence could hardly restrain
my intoxication of your veins
Passing through your gate
I had to shrink over and over again
Flesh free of shame
I am no surgeon  
I am no mortician
But I had my fork in my belt
Can it be a shield
against a deceased arm standing by its own?
I amputated your shoulder
to  eliminate the ghost of her resting head
Even when they are helpless
Your hands scare me
I lectured my skin on avoiding their screams
but my micro lungs got arrested in-between
I don’t breathe
Kayaking  on your red ocean
I want to shower your heart
But it’s a coffee bean
too dead to orgasm
Your pleasure spots are functioning no more
so should be your proud knee

Melting your right ear
to extract everything you said was true
smashing the left
I can’t taste what I injected yesterday
I couldn't fit 
amid the wreck 
I couldn't escape.
The earth should flatten around my debris.
Shrinking lover from Talk to her (2002)










Thursday, March 12, 2020

إلى ماما

 في البدء
نادى أحدهم أمه في مطلع أغنية
ليستقيم الشجن
في الأوتار المشدودة 
وحول عنقي المشرئب لمودة الأرصفة
التف حبل كلماتٍ ساذج يتوق لعبق الجدران
وتقول أسطورتي أن 
أحدهم هز النخلة التي أينعت أعلاها سيقاني
وأسقطني في بركة دمعية 
جابهت أمواجها بفعل خبراتي في مسبح الحب 
سوره كان نسيجياً
سكب من حولي حدود الكون
إلى أن خرجت مشيمتي 
حينما لمحتها
حررت صرختي الأولى
وبكيت 
لأنها كانت صغيرة جداً
وانهار عالمي بالكامل
لساعتين
ثم استيقظت على قاربٍ أخضر
له نفس رائحة مهجعي 
فأنكر جسدي حياته السابقة 
وعانق المدى بلهفة 
بحرير مبللٍ بزيت الياسمين 
نزعتْ شرنقة وحدتي في غياهب الرحم 
ليحل الضوء في عيني 
ولما رأيت الحنان 
لم يكن يرتدي جسداً 
بنهمٍ ارتشفت نوتاته الشحم 
والجلد الشاب 
والتنورة الزاهية
فوق التشوه الذي ألحقته بخصرها
جر غموض الظلال حواسي
بين الأصابع المائية
تغسل مجاهل الغابات
التي أنبتت كعوبي 
صدفة في أرض غريبة 
وفي حيرة كولومبس 
عبرت إلى العالم الجديد بين ذراعيها 

من بين جذور أسناني
سربت إلى أحشائي حليبَ القمر
والتقطت اسمها
من همهات البراري
ورافقتني لكهفي
تهادن الرموز
وتترجم الرسوم التجريدية
إلى إشارات حرارية
وتكبس قلقي بالمعجزة
ولمرة أخرى 
تذبح
شرنقتي التي قُتلت بداخلها
على باب الواحة
التي نبتت من سرتي
وصار الفصل بيننا مُرهق
حتى في حبكة الكلام
أو أن ربما الشعر يهرب 
كلما انطوى ذكرها

العرافة البلغارية تقول 
أن الرجل الأول 
لم يكن صادقاً كل الصدق 
وُلد لامرأة جميلة 
تجول الشرق 
وتجره لاستكشاف الحب 
في ضجر الجبال 
وارتباك الميادين 
واشتهاء الموت 
وجال عمره 
يعانق خيال الصغار 
ويستخلص اللحن من فوهة صدره 
وصمود البنيات القديمة 
وعندما جفت السوائل حول قلبه 
بدأ الكلام بأمه
وأنهاه بأمه.

وروت أيضًا 
أنه في أول التاريخ
لمعت في عينيه فريسة خضراء
ومشى الشاب الأسود
تغازل عضلاته الرمال
وأخذته الهجرة
وأنضبته الصحراء
حتى تحللت أقدامه
وخر على باب كهفٍ
وبيدٍ تذوب
رسم يديها 
ويديه
تخر دماً 
يمتزج بخير ثدييها 
وبكي ليومين 
وهو ينادي أمه
ومات

تعثرت في غرامه
في فصل ما من تاريخ جسدي
ثم أرفقت أنا أيضاً أمي بألف كلمة وتهمة عاطفية
لأن مناداتها في أول الكلام
وفي وسط الساحة
وفي نهاية المتاهة
تشبه السفر ليلاً
تجلي الكحل عن جفني
وترسخ خيوط الشجن في صدري

A photograph from "the Egypt, Mother and Son project" by the french photographer Denis Dailleux.


Friday, February 28, 2020

قُبلة


كانت النجوم تسقط مع المطر.
حدث ذات شتاء أن شهدت أطول ليلة في العام، أتساءل كم نهاراً دَاهَمَت لتحصد كل هذا الوقت، وكان ظلام حارتنا صارماً في فرض ملامحه، حتى أضواء البلكونات الليلية امتنعت بدأب عن نزف ساعاتها فوق المسافات النِديّة، لم يشق المدى بصعوبة سوى ولعة عم حسن جميل، بسببه مازال الدخان ينخر صدري كلما بكيت.
في مملكتنا درت الليالي ألاحق وقار السماء من فوق دراجتي الضريرة، يدحرجني الوحل وأصادقه، أملأ قبقابي بحبات الرمل الباردة وأغطّس أنفي وذقني في برك الطين، وأحتفل وحيداً بانتصاري على أمي ومسوخها التعيسة وحقول الجن التي مازلت أبحث عنها، كنت أميراً عربياً تحملني سجادتي السحرية لما وراء حيادية الأصواف، أو دباً منزلي الصنع تتلاعب الأصابع الباردة بخفة أليافه المتهالكة، ربما لُفظت وربما ذهبت على قدميّ في تلك الليلة نحو صالون الحلاقة المستجد، كانت مساحته صغيرة لا تتسع إلا لزبونين، يافطته زرقاء وواجهته زجاجية تحمل رسماً زيتياً مُفرغاً لرجلٍ بلا ملامح له شعر كثيف، ترويت في مسح الزجاج المعبأ بالبخار برسم كائنات صغيرة تسبح فوق ما تركته عمداً ليكون البحر، ومن بين الفراغات الضيقة للشيش الأخضر رأيت رجلاً يُقبل رجلاً آخر.
 لم تكن قبلة إِحْمَائية تتعجل لابتذال العتمة ، كانت قبلة شغف، تتمهل وتتصاعد شبقاً لمرتفع ما يقع على خريطة أجهل بها، فعلٌ عصي الترجمة على طفلٍ مازال يرتبك في تقديره لحركة البشر حول بعضهم البعض، مرت دقائق وربما ساعات وأنا والرصيف وحدة غير منسجمة، تحزم جسدي الشحنات المتسارعة من وإلى عمودي الفقري، تيبست أطرافي وتشقق صدري كأن السماء قد استندت بكافة ألوانها إلى عظامي الرخوة، عصرت بطني بيدي ثم رفعت ذراعي في غفلة عن نفسي، ففررت غارقاً في الليل أبكي وأنزف من بين فخذيّ، لا أعرف ما يجب أن أفعله بما يصعقني ويريق سوائلي، همت على وجهي، جريت في الأرجاء، تعثرت في دكان عم حسن، ناولني كوز بطاطا وطلب مني العودة إلى البيت، التهمتها بلا وعي ، لم أتبين لها رائحة ولا طعماً، اتكأت على عتبة بيت عمتي نبيلة وأنا ألهث في رعب الليل، ظننت أني عرجت لأرضٍ عالية سحبت مني دم الغريب، أو مت وبعثت في زمن آخر، أو أنني امتطيت البراق في هيئة دراجتي المسكينة وتخيلت كل القصص التي سأخبرها لسعد، صديقي الوحيد آنذاك.

لم يستر تمادي الظلمة رجفتي، تسحبت إلى الحوش الواصل لبيتنا، والليل يتدحرج فوق كتفيّ وينهمر من بين ساقيّ والدخان الأسود يتصاعد من رأسي ليحل عقدة النهار، بدأ صياح الديوك، وهبا النور في أنفي، أغمضت عيني وضغطت جفوني كأنني أحاصر الفجر ليملأني بما تصبب من مسامي المشرعة على مصراعيها، ورحت أتسرب بهدوء خلف باب الجحيم، غمرتني سخونة الفراش ورائحة الجو المعبأ بالنوم، تدثرت بجانب أختي الكبرى زهرة، تأملتني لثواني ثم لفتني بذراعها الأيسر وعادت للنوم، كانت تكبرني بعشرة أعوام، لم أفهمها كثيراً، ولكنها كانت ذات مزاج متزن، تقوم بأعمال المنزل كأنها راقصة معاصرة، تستخدم أصابعها بحساسية وترمي الفضاء بنظرات مغتربة، تتحسس ذراعيها في الظلام ولا تتحدث كثيرًا، تقف أمام مرآة الدولاب لساعات لتنظف سُرتها بسائل اخترعته بنفسها، لا يلوث الفضاء من حولها إلا سباب ولعنات أمي المستمرة، لم يمر يوماً دون أن تؤدي هذا الطقس الرطب على مسرحها الآيل للسقوط.
مر يومان وأنا لا أتسلل ليلاً، كنت انتظر عودة سعد من بلدة أبيه في أقاصي الصعيد حيث يمشي عدة أمتار للتبول في زريبة أقاربهم، جعلت قصصه تلك وضعي حيث أعيش أقل إيلاماً، وكانت اللهفة تشق صدري لأروي له ما رأيت، لكن رد فعله جاء باردًا، أخبرني أنني مخطئ وأن بالطبع ما رأيته هو رجل يقبل امرأة لأن الرجال يقبلون النساء، أكدت له لكنه لم يسمعني وقال أنه يعرف تلك الأشياء جيدًا وخبرته تفوقني فيما يحدث بين رجل وامرأة، أعتقد اليوم أنه كان ينكر ما يعرف أنه ربما حدث لاثبات تفوق جنسي مفهوم لمراهق بدأ لتوه السباحة في غابات الجسد، لم أفكر في ما يقصده قدر ما فكرت في غضبي، سعد كان أكبر أصدقائي في ذلك الوقت، خفف من يُتمي كثيراً واحترمته كاحترامي لزهرة، وكنت أتبعه كظله، وتجاهله كان بمثابة تجاهل الناس جميعاً.
وترددت كثيراً قبل أن أحكي لأمي عما رأيته، كنت أتذكر بوضوح الصفعة التي هوت على وجهي عندما حدقت في قبلة تلفزيونية متعجلة، وكانت أمي متزوجة من رجل يأكل اللحم قبل أن يستوي، تجره جراً كل جمعة لغسل جسده الضخم، لم يحبني ولم يستمع إلى ما أقوله بل كان دائم التعقيب على تساؤلاتي ب: " بس يالا بلاش هطل " أو كلمات أكثر بذاءة أو بالضرب الذي لم يكن مؤذيًا لهذا الحد لأنني اتخذته كعلامة للحضور الأبوي في حياتي وكنت في أشد الحاجة لوجوده حتى لا أبني كل ما يريد أن ينطق به تكويني حول سعد أو بالأحرى بداخل سعد.
 كنت أعرف ما ينتظرني، لكن الكلام في أحشائي كان يؤلمني ألمًا جسدياً، فعلت ذلك على طاولة العشاء، وكنا نتناول حساء حضرته أمي على مرقة صناعية إلى جانب المسقعة والخبز المحمص، سردت قصتي وثبتت عيني على زهرة، تثاقل الصمت في الهواء وكذلك قلبي في صدري، فقلت: مش متأكد سعد بيقولي اكيد بيتهيألك، اضطربت وكدت أوثب من مكاني واختبأ عندما ألقى زوج أمي بسلطانية المرق الساخن على وجهي ورقبتي، لم أصرخ، صرخت أمي وهرعت باكية لإحضار الثلج والكمادات وهي تسبه وتلعنه وتدعو عليه بالخراب والموت، كانت زهرة تبكي ولم تقل كلمة واحدة، في الفراش صبت فوق رأسي ماء الورد والدموع واحتضنتني ولم تنم.
 لم أخرج لأسبوع لأن وجهي كان يبكيني، زارني سعد وحدثني عن مصير صالون الحلاقة جراء فعلتي، وأحدث الشائعات حول من كان بالداخل، يقال أن عم هلال الحلاق قد طرد ابنه من البيت، وفُتح أمر أصل تلك العائلة التي غزت حارتنا بلا مقدمات ولا تاريخ، وقيل أن محله السابق في منطقته التي لا نعرفها قد خرب أيضاً من وراء ابنه الشاذ الملعون وأن حارتنا ليست مدفن للفجور والفضائح، القليلون طالبوا بالتريث في الحكم وحسن النية حتى تظهر الحقيقة، ولكن ذلك لم يحدث، كسر المحل فوق رأس من فيه بلا تأخر، كان يلومني على كذبي ولكن ليس بكلمات واضحة ربما لأنه تعاطف مع قبحي الوليد.

آسف، ربما تفاعلت مع سؤالك بعاطفة مبالغ فيها، لكن تلك هي حكاية الندبة ،كانت تحرقني لسنين، ويهيأ لي أنها تدر دماً تراه زهرة فقط، دون شكوى مني كانت تقبلني كلما شعرت بذلك، أعرف أني لست كما أتصور وتتصورين الآن، هي فقط مداعبات الطفولة، كنت أتصرف بحزم مع نفسي، انتقلت إلى هنا وأنا في الثامنة عشر، ومنذ أن وطأت قدماي تلك الغرفة بدأ تحدي الجوع الصغير، ثقب في رأسي لا يرتوي، لأسباب لا أفكر بها كثيراً تصحبني حسناء كل ليلة إلى تلك العلبة الضيقة، ربما مظهري الغريب أو لكنتي المضحكة أو رائحة العود تمنيهن بفارس شرقي جريح، تكتمل استقامتي في الرحلة الشاقة فوق تلال نهودهن، وأُدفن نفسي بجانب جسدي في قبورهن الضيقة. 

 "هل يمكنك أن ترحلي الآن؟" رمقتني باستغراب وربما ببعض الامتعاض وسحبت حقيبتها لكنها استدارت مرة أخرى وعادت وقبلتني بحنان، قبلة طويلة بعض الشيء ثم رحلت، التهبت شفتاي وربما نزفت، وسرى الوجع في أنفي وعيني بلا رحمة، هرولت في أرجاء الغرفة أبحث عن هاتفي لأتحدث إلى زهرة، ولكنني لم أجده وكذلك لم أجد محفظتي.
A photograph of Robert Mapplethorpe


Tuesday, February 25, 2020

في رثائنا يوم موت الطاغية

من كانوا أشجع -ولو قليلاً- من نسلنا
أكثر حزنًا من المرسلين
أعنف رغبة من العاصيين
يشبعون وجدانهم بالخمر الرخيص
وألسنتهم بمستخلص الماضي
قصير المدى
سريع المفعول
تتقوس عظامنا في المهد
عندما نهدي انتصابنا

لشموخ النخلات
بنات النور
ليت الشمس
تمنح
نصف ما تأخذه
نركع للأرض
بالدموع
واليقين
ندفن السر
وسوء التغذية
ونولي وجوهنا

 قبل المشرق
حالمين


يشدنا للأرض
نصيبنا من فضلات الجاذبية
وإن لم يمنحنا المجلس المعونة السنوية
وانفلتت أجنحتنا
بفعل نقص المواد الجاذبة
تثبتنا
أطنان الحجارة المتواطئة
التي حملها الجد
خادم فرعون
ومازالت تطارد أكتافنا حديثة التكوين
الحجارة عاقر
لكنها حامل مخلص
لإرث الشقاء
جلدنا الحافي
تهدر منه الحكايات
بكلمات مصبوغة
بمنقوع السمار
نتربع في العصاري
تحت مظلات أجنبية
نلعنها
ونسترق الوداد
في جمال النبي نمدح
وفي حسن يوسف نقول
وفي الليل


نُحرم جراحنا إلا على الربابات
نحكي سيرنا
وكأننا السلاطين
في قلاع
حررت عبيدها
ومكنت جواريها
في الأحراش الحضارية
فوق الكذبة
نرش البهارات
ونشعل البخور
حتى نكافئ هويتنا
ونتزعم الأساطير 
رجل المدرعة - يناير 2011