Monday, June 10, 2019

قصيدة أولى



مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا اتّبع فراشة ضائعة وطائر رفض الهجرة وهندي أحمر مهزوم
فتهبط إلى قاع البركان وتحتل محور الإعصار تتوحد مع هيفيستوس
ولا تأبه بقبحه نتجرع حضارة تلو الأخرى أهمس في حنجرتك الصماء أهادن الإيمان لساعات أصرخ في تماثيل معبد الطوارئ لاحقني برج أجدادي المنتصب وقذف غضبه بداخل ثقوب أحلامي الجريحة مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا نلتقي عند الفنار نقصف هويتنا والڤلل الصيفية المهجورة بأحجار الشاطئ اتشبث بيديك نبحر يغرق كل منا على طريقته تجرف الأمواج جثتينا إلى أبعد نقطتين مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا نجري إلى الصحراء نتوه سويًا ينقذنا أهل واحتين متعاركتين ونمشي مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا ارتمي في المدى تحشر رأسك في حوض الدماء أكوم جسدي داخل المواسير تطلق لحيتك وتمتنع عن الاستحمام اتسرب في الأسلاك وأعرض أنوثتي على الشبكات تتسلق الأشجار وتتبرأ من الحضارات أعود إلى كهفي وأربط أطرافي تسلم نفسك لجهاز المدينة وتسقط عنك حب الشيخ إمام مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا أقطّع لحمي وجذوري وأندس وسط البروتينات تدعي النباتية وتقضمني سرًا فيلفظني جهازك المناعي. يركل طفلك حوضي بغلٍ أقتله وأقطر دماءه في عيني فلا تتجاذب مع حمضك النووي نمتزج فوق التلال وتحت يُتم الأشجار أقرؤك كنوتة موسيقية مدونة بالعبرية تقرؤني كنص مترجم لا يحمل أصلاً ثم يُقيم كلانا الآخر بكل حيادية لا توحد لا تماس لا شفقة مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية ولا تتقاطع طرقنا دهستني يد الله احتلال فوق احتلال تجثو فوق صدري ثلاث حقب استعمارية تتقطع أوصالي وأحبالي الصوتية يموت الأيمن فأحقن الكلمات في حلقي ينفلت الأيسر وتتطاير منه ثمان كلمات أطاردهم كالمجذوبة حتى لا يتسمم القمر وينفتح جرحك من جديد دم مرتبك يحترق عكس التيار لا أحاربه ترتبك عروقي أتفوه بكلمة من أحلامك أكشف سري لقد لاحقت عقلك منذ أن قُتل هابيل وهبطت إلى خط استواء أرض الخوف لا ارأف بجمالك أهرب من حلم اليقظة إلى الرهانات الخاسرة أخرج إلى الشارع في أخر الليل أدفن شعري المتساقط ورائحة الأواعي الفخارية العالقة بأظافري أسفل إشارة مرور قربانًا للأحلام الجماعية المجهضة فركت آثار الليل تحت عيني بأساطير الحب وسلمت رقبتي لكل حافة حادة لوترية فارسية تجاهلت نصائح أمي حشوت جوانبي بإرث ثلاثمائة ألف عام من الوحدة والخوف وألقيت بجسدي في حلة تصرخ سوائلها فنضجت من الخارج وتورد جلدي وبقى داخلي نِيئًا وساذجًا لا يسوّيه كذبًا مهترئًا مرقعًا بخيوط جدتي الريفية وصوت آذان المغرب ورائحة أكواب الشاي بالنعناع أغلقت أنت صندوق حنجرتك وألقيت بالمفتاح في منتصف قلبي قتلتني رقة زفير العزلة مائة ألف ميل من الأرصفة المتوازية
ولن تتقاطع طرقنا.

Monday, April 29, 2019

A tribute to Notre Dame and literature



أخرج الرماد مريم من كهفها الجنوبي العتيق، ألفيّتان قد مرتا بالفعل منذ أن وصلت اليهودية الجميلة على متن القارب السحري، تحمل بين ذراعيها ابن الرب وفي حواسها رائحته وتنهيداته وملح عينيها، لقد عاشت لتشهد عيناها الجميلتان ما يعميهما من شدة الالتهاب ولكن ٱخر دمعاتها دُفنت في القبر الفارغ، " لماذا تبكين يا امرأة ؟" ، كانت النظرة الأخيرة في وجه الحبيب الذي سكت للأبد، إنها مريم بنت مجدل، يوخزها الشك في عينيها كل ليلة مثلما يفعل في رقبتها وصدغها وخصرها وركبتيها وذراعها الأيمن وشفتها السفلى، سبعة مواضع منصهرة ومفتتة حيث خرجت شياطينها محمومة كانفجار النجوم، تتحسس شعرها الشرقي وما دلقته عليه من سواد ليلة أمس، يجب أن تقابل أصدقاءها كما تركتهم فيما مضى.

الأمس في فلسطين واليوم في جنوب فرنسا على شاطيء المتوسط الحنون، تبدو الحياة هادئة، لقد سمعت أن المزيد من المهاجرين الذين كرهتهم أوطانهم مثلها يتوافدون لتلك المنطقة ولكن الأنباء مؤكدة، لا أحد منهم يتحدث السريانية. 
المترو ليست وسيلة المواصلات المعتادة بالطبع ولكنه مجاني وسرعته جنونية، لم تعلم بأمر تذكرة المخالفة وساعدها الحظ، 
أتى المساء مبكرًا في باريس، إنها نوتردام العجوز تستسلم من جديد لرقصة النيران الهائمة، هي لا تملك خلافات شخصية مع بني ٱدم ولا حضارته الشامخة، هي فقط تريد أن ترقص، هكذا أخبرها حدسها، ثم غابت في التفكير في النار والظهيرة الحارقة في صحراء بلادها الجميلة، وعندما وصلت إلى البوابة الغربية لمحت صديقًا قديمًا، إنه كوازيمودو، قارع جرس الكنيسة العاشق، لم تنس أن تصطحب معها باقة من الجوردون البنفسجي والنرجس الأبيض، ناولته الصحبة الحزينة وعزته بحرارة في الفاجعة التي حلت بمنزله العتيق، بكى كوازيمودو وشكرها على المجيء وعلى الورد، بدا لها ظهره كمشروع إلهي غير مكتمل لخلق أول إنسان طائر، وذكره شعرها المنسدل بجميلته ازميرلدا، لمحت مريم تمثال لها تمقته كما تمقت كل لوحة صورتها أو ممثلة جسدتها.
ابتعدا تدريجيًا عن بيت الأحدب الكليم، أخبرت كوازيمودو عن رحلتها الطويلة من جنوب البلاد وعن المترو، يعرف كوازيمودو أين سيقضيان الليل، ناولته تفاصيل العنوان لأنها لا تقرأ الفرنسية، أوبرا باريس، سيقيمان بعض الوقت في ضيافة شبح الأوبرا سليط اللسان، حاد الذكاء والحس الفني، والذي يقيم تحت أوبرا باريس ويهيم هو الآخر بكريستين مغنية السوبرانو الفاتنة، إنه ملاك الموسيقى الذبيح، التقت مريم بكليهما منذ ما يقرب من قرن في متجر صغير للكتب بشارع ضيق في إحدى ضواحي باريس الشمالية، ثلاثة جرحى باعدهم الميلاد ووحدتهم الأوجاع، تشارك مريم وكوازيمودو تطلعاتهم عن الليلة الطويلة، كانت مريم تحاول تشتيته بالطبع، حدثها عما يعرف من عروض تجرى هناك، لم تعرف مريم ما هو الباليه، وأخفق كوازميددو في محاولة تصويره ولكنه وعدها بأنها ستستمتع وأن صديقهم الشبح لن يؤذي أحداً في الأوبرا الليلة، تحدثا عن بائع الكتب الوقح الذي قضيا أجمل لياليهما في حانوته الصغير، كرهاه وكرهته، كنت أود لو أكملت التلصص على ذكرياتهم، لكنني خفت أن أكون العدو القادم، خاصة أنني قد وقعت في عشقهم بالفعل، فأغلقت الكتب وأغلقت مكتبتي بعد أن اطمأن قلبي وفكري على كوازميدو العزيز وذهبت للنوم.

Thursday, January 3, 2019

رحلة الشتاء والصيف

الصيف لقصورٍ رملية هالكة على شاطيء مزدحم للفقراء، والشتاء للحفر عميقًا ودفن كل ما حلمنا به،

الصيف لبهاء طاهر وخفّة كل كلمة خرجت من رأسه ، والشتاء لإيمان مرسال وكل ما تحمله من وجع نسائي خالص، 

الصيف لأم كلثوم عن عمد أو عن حب ، والشتاء لموسيقارٍ يوناني هو صدفة إلكترونية تشبه صدفة لقاء الجرح للمرة الأولى على هيئة إنسان ٱخر، 

الصيف لحزن الأدباء المنتحرين وميلانكوليا موسيقى الأفارقة، والشتاء لحزن العود والجنوب اللبناني،

الصيف للرقص الفاحش في الحانات المشبوهة، والشتاء للصلوات المتراكمة غير مكتملة الإيمان، 

الصيف لبشرٍ ندرك نمطيتهم وقلة حيلتهم ونرتمي في عالمهم العادي عن وعي، والشتاء لصانع سينما إِسكَندينافي شاعري لا يرى من العالم إلا حزنه،

الصيف لمغازلة النُدوب وتقبيلها، والشتاء لصناعة المزيد منها وممارسة التشكيك بالذات، 

الصيف للمغامرة السعيدة والجري لأطول مسافة ممكنة، والشتاء لتجبير ما تحطم من عظام وأمنيات، 

الصيف للترام الأحمق عصرًا، والشتاء للمشي بداخل الجدران ليلاً، 

الصيف لزرع الورود على عتبات البيوت وبين الأسنان، والشتاء للتنصل منها،

الصيف لاستنشاق جثة الإنسانية، والشتاء لغلق الشبابيك والسعال،

الصيف للصمت عن كل ما يؤلم الحلق وتناول عصير البطيخ، والشتاء للتسكع مع الرفاق المدعيين والتنديد بجرائم الديكتاتور، 

الصيف لتقديم المياه والأحضان لحيوانات الطريق، والشتاء لتجنبها والاشمئزاز من بؤسها ووحدتها،

الصيف لتدليل طفلي وإغداقه الحنان والحلوى ، والشتاء لإنكار أمومتي والاحتفاء بعذريتي،

الشتاء للوحدة، 

والصيف لوحدةٍ أكبر..



Thursday, December 20, 2018

يا حرام يا حرام عاللي جراله


يمتلكُ الخوف كل المفاتيح لاستيطاني دون حروب، وقطعْ أصابعي دون نزيفٍ، وتجريدي من كل ورود الكلام النابتة في تربة لساني دون ذاكرة، لكنّي أقاوم، أُثبت القلم بين شفتيّ وأرسم حروفًا بدائية وكلامًا بديهيًا لا يشبه إلا رجلاً وحيداً لم ينطق منذ مائة عامًا، فأبتلع الأقلام وكل الكلمات التي تلألأت في حلقي لدقائق ثم انسَحَبَت لمعدتي لتتراكم مع سمومي 
.وفراشاتي الميتة التي أتقيأها كل مساء، 
تنزوي اللغة وينساب الحبر في أحشائي فأصبح زرقاء من الداخل أيضًا، كما هي أظافري وعنقي وإضاءة أحلامي النصف سينمائية، فلا يعلن دمي عن نفسه ويسيلُ باردًا بلا هوية.
لفظني البحر، حورية مُطَارَدة بدمٍ باهت وأطراف حادة وقلب مروَّض، أعترفُ بإني غير ٱمنة لمن حولي وغير مناسبة للسكن في قلبه، وبإن خفّتي التي أبقتني طافية لعقدين صارت 
أشبه بالذوبان، 
صبغت شفتيّ بالحمرة، أحمل في حقيبة يدي سبعة أقلام أحمر شفاه، جميعهم بالأحمر الصارخ، سأبصر بعد أواني وأتوقف عن السماح لدرجة اللون الواحد باستنزافي، ولكن الزرقة بقت لتسيل فوق ملامحي ونُحيت عن وطني
.
لم تعرفني الخيل ولا الليل ولا الصحراء ولا أي 
أداة، ولكن تكويني لاحقني وحملني للنهر، أمرٌ 
فرضته جغرافيا جسدي المائية، عشت بجانب النيل ولم أرغب في مصاداقته، تلقيت الركلة الأولى لقلبي على ضفته الشرقية، تجمدت لأيام وشهور على الأرصفة أحاول اصطياده بدموعٍ عذبة ثقيلة كموج النهر لا تنتمي لملوحتي، فشلت في استرداد قلبي ولكنّي احترفت الصيد وابتليت بالصبر.
تلقيت الركلات مرارًا وتكرارً، سُكبت أكياس الرمل على وجهي ودُفنت كل ليلة، كنت أحفر وأخرج وامتن له أنه لم يرميني بالحجارة، أكنس ما قَتَل اختناقي من خلايا مخي، وأُدرّب ما تبقى على تجاهل حبات الرمل في عيني، وأكواب العسل المصبوبة في أذنيّ،
 فأغني أغنيات سكرية وأحقن جرعات الأنسولين قصيرة المدى في شفتيك المعدومتين،
واحتضن كل ما يستعصى عليّ فهمه،
 أقاوم تجنّي الفصول على عينيّ وأنفي بمضادات الحساسية والستريود ثم أسلم كل أغشيتي للسكاكين والدبابيس والأصابع النحيلة.

Wednesday, April 4, 2018

أرشيف مراهق.

أتغير،
أتشكل بصورة نهائية مع حركة يديك المنسابة فوقي كالنجوم السائلة،
أرتعش،
تثبت خلايايَ المهتزة في أماكنها الجديدة ولا تعود أبداً،
أُضيعُ عمري ولا أجازف بنظاراتك الطبية .

-حلم ليلة صيف مراهقة ،2013.

Tuesday, December 12, 2017

تخيلت أنك أبكم ، وعرفت أن العَالم هو الأصم عندما سمعتك ،
تخيلت أنه لا وجود للموسيقى هي فقط أصداء نبضات قلبك الحالم الذي يشبه  في رقته كل مدينة أوروبية بشكل ما ،

هم مزيفون ، الجمال لا يعنيهم ، كلماتهم الكليشية عن تأمل البحر ومصادقة النجوم ليست حقيقية ربما منقولة عن رواية تجارية ما ،
هل يستنشقون النسمات الهادئة في الليالي الصيفية الرائقة ويسترجعون لحظةً ما بدت سرمدية لا نهاية لها ، ولكنها ككل شئ انتهت ؟
هل يمزجون بين همس موجات البحر ليلاً وبين مقطوعة موسيقية ما ترقد هناك في ركنٍ عتيق من أرواحهم ويوحدون النغمة ثم يتمايلون عليها ويبتسمون إبتساماتٍ راضية ؟
هل يجدون أرواحهم في كل نَفَسٍ فني ، في تداخل لونيين في لوحة تبدو غير مفهومة ، في جملتين تنهي بهما البطلة العاشقة فصل مسرحي كئيب ، في عرض أوبرالي في روما يُشعرك برشاقة روحك؟

هل يتناسون ولو للحظات محدودة تلك الحياة المادية التي هي منطقياً تبدو الحياة بأكملها ، وما هو دونها رومانسية بلهاء لا معنى لها ؟ هل يتناسونها ويندمجون مع تفاصيل صغيرة  تبدو أنها تُمثل إنتماءك إلي تلك المدينة ، كصوت اصطدام الأمواج بالصخر الأخضر ، أو رائحة شوي الذرة المنتشرة بين ذرات الرياح الصيفية الرقيقة أو رواية تدور أحداثها في حي فرنسي قديمٍ أو زجاجتين بيرة علي البحر في نهار شتوي ؟ 


سمعت صوت الناي الذى أكد لك الجميع أنه لم يكن هناك ، آمنت بك ، آلامك حقيقية ، حقيقية جداً وليست ضرباً من ضروب الترف الفكري والإسراف في الخيال الغير مُتعارف عليه في هذه المناطق من العالم ، أشعر بخفة روحك ورنينها ، وأحبُكَ .


المياه كلها بلون الغرق


كان قبطان المركب حبيبي ، أحببته بعد أن أنقذني من قلبي ومن المياه ، وأحبني من دون سببٍ ، كان دائماً يشكرني علي الخطابات التي أرسلتها له لسنوات قبل أن التحق به في رحلته ، لم أكن أعرف عن ماذا يتحدث ، فأنا لا أعرف الكتابة ولم أُرسل يوماً إلي تلك المباني التعيسة ،المدارس، ولم أعرفه قبل غرقي ، ولم أعرف أين هو ولا سفينته من العالم ، ولا أعرف أين نحن الآن ، وهل ما زالنا علي الأرض أو نبحر في مياه كوكب آخر، لكنه كان مًُصراً أنني أخبرته عن ميعاد وصولي لذلك انتظرني ، وكان يرجح أنني قد أصبت بفقدان الذاكرة خلال رحلتي الشاقة في المياه ، صدقته ولكنني لم استطيع أن أنسى أمي أو أسلم بأنها كانت وهماً ، حدثته بلغتي وحدثني بلغته وأجبرتنا الظروف أن يفهم كلانا الآخر ، في الليل كان يضع فوقي شالاً أحمرً حريرياً ويغني بجانب فراشي حتي أنام ،حتي اختفى ذات صباح من على ظهر السفينة، وبقيت وحيدة ، بلا أغنية .

البحر ليس صديقي ولكنه رفيق طريق أجبرت عليه أو اختارته ، لا أعلم حقاً ،
أنا لا أعلم ، ولم أعلم من قبل ، لا أعلم كيف بدأ العالم وكيف سينتهي ، الحقيقة أنني لا أريد أن أعلم ،
إن كانت قدمي العارية تلمس الأرض الساخنة ، وإن كنت أستطيع أن اتناول اللاتيه واحفظ أشعاراً غير مقفاة وأوشم جسدي بحرية ، إن كنت أنال بعض القبلات المفعمة بالرغبة علي ظهري ، فأنا لا أريد أن أعلم ، أما ذلك الفراغ المالح الذي مللت رائحته فهو يجعلني أريد - وللأسف-أن أعلم ، 

 ربما عليّ أن أحب شيطاناً طويل الشعر يعرف من الأسرار أكثر ما يعرفه البحار وأكثر مما عرفته أمي، لم أعتقد في شر الشياطين يوماً واحداُ في حياتي، سيكون موتي جميلاً لا يعرف الطقوس المُبكية ولن يكون هناك من يبكي .



La Double Vie de Veronique ( 1991 ).

Sunday, June 19, 2016

إلى أن ينتهى النور .

كان كل شئ يجرى على ما يرام ، كنت قد تجاهلت تكويني ، وربطت أطرافي ،وكففت عن الكلام عن نجمتى الأم ، وقدمت نفسي كل صباح كدمية ناضجة ، ثم كانت تلك الليلة عندما تسللت لشارع خلفى نصف مضاء وأنا أجر خلفى حمل جناحين عاطلين عن العمل و كتل متفرقة من خلايا مقتلعة من جذورها ، صفعني ظلى بغير رحمة عندما تجلى مسخاً عملاقاً على السور الخلفى لفيلا صيفية ، تراجعت وركضت طويلاً وأنا أرغم رأسي على تجاهل ما حدث ،عندما عدت لغرفتي كنت أبحث عن نصِ ما يصف رائحة هواء الصيف ليلاً فى المدن الساحلية قرب البحر ، من الصعب أن تجد كلمات مناسبة للبحث عن مضمون قصيدة ،لم أصل لشئٍ فقررت أن أمنح نفسي هذا الشرف وبدأت أكتب ، ثم وجدتني أصف رائحة شواء الذرة وملابس الاستحمام وكلور حمامات السباحة وكذلك الظل الثقيل فتوقفت، قرأت قصيديتين وفصل مسرحي ثم تأملت رشاقة جسدي لدقيقتين وعدت ولم أكتب شيئاً ، لم يكن من الكافي خلال اليومين التاليين أن أقضى الليل مع البحر،أغمره بعينين مفتوحتين وأنف واعية وأتركه يغمرني ويسرب أملاحه فى أطرافي ، فبدأت اختبر الأشياء التى قد عشت بجانبها عقدين بالفعل، أترك أصابعى للماء ، املأ صدرى بالهواء لأقصى حد ممكن ، ألون جسدى بالأحجار، وأحشو جيوبي بالرمال ، امتلأت بالبحر ثم ذهبت وقررت أننى لن أكتب أبداً .

Perfect sense - 2011

استغرق الأمر عدة سنوات آخرى وعشرين رواية وسايمون وجرفنكل وثلاثة انهيارات عصبية لأدرك كم ألف مرة فتحت عينيّ تجاهه دون أن أنظر، أو سمعته دون أن أصغى ، كم ألف مرة لم أخذ حقيقيته المُفرطة ووجودى الغير منطقى على محمل الجد ، كان كل ما يحتاجه أن أتحلى ببعض الشجاعة ، دعوته أن نذهب بعيداً ، ستة عشر مدينة رأيناهم فى ثلاث سنوات ، كانت كل الأشياء زجاجية وقابلة للكسر ، لم يكن ثمة أقفال لا على أعماقنا ولا ظواهرنا ، كلانا حر تماماً ، لم تكن تعرف عنا الحضارات ولا المكتبات العامة ، كنا نكتب قاموسنا الخاص للمعانى والتجارب ، كنت أترجم كل مدينة كالعمل الفني ، فى الغالب كانت المدينة لا تكشف عن قماشتها إلا فى آخر ساعيتن عندما تكون فرصة استعادة ثمن التذاكر قد انتهت بالفعل ، لم أصادف مدينة حريرية أو شفافة على نحو كافٍ ليفقدني نفسي بين حاناتها ، ولكنني كنت حرة ، قديسة فى الجنوب وعاهرة فى الشمال ، أُقبل من يحلو لي وأتنفس بعمق وأكلم المارة وزجاج القطارات ، ثم أعود لحضنك الحريري والشفاف فى آخر الليل ، اتفتت وانكشف أمامك ، اتعمد أن انكشف أمامك ، ارتجف وأتنفس بسرعة واتشبث بذراعيك ، أقبض على طرف قميصك بيدٍ متوترة وألقى بدمعتيين بين خصلات شعرك الدافئ ، تحاول ، تغنى فى أذني ،ولكنى اتشنج وأكسر أظافري وأطبق على صدرك وأضرب جسدك الرقيق الذي يحتضنني فى لحظات ضياعى الوجودي،
تصب الماء البارد والقبلات على شعرى، انزوري بدخلك وأهمس ne me quitte pas ، أشبع عيناي من كل خلية في جلدك ، أشاهد جمالك لساعات ولا أكتب عنه .

ثم نركب القطار فى الصباح ، مدينة جديدة ، أودعك عند باب المحطة واذهب ، ارتشف كل أنواع الشراب ، أمر بأضيق الشوارع ، أوشم ظهري وذراعي وعنقي بآثار أصابعك ، ودون عنوان فى آخر الليل أجدك ، وأعود إلى حضنك الرقيق .

Wednesday, June 1, 2016

أشياء أكثر عشوائية من أن تعنون

المدن قاسية جداً والبشر ليسوا كذلك ، لم تسمح لي المدينة أن أمد أوتار الharp الناعمة بين السحب في إحدى الليالي الصيفية ، كنت قد حلمت بأنني أمشي بمرح فوق تلك الأوتار وبفستانٍ أبيض قصير وشعرٍ يبدو عشر مرات أكبر حجماً ومائة مرة أكثر بعثرة في تمويجاته ومنحنياته يميناً ويساراً من حقيقة شعري، مشيت طويلاً حتى وصلت إلى ممر من الزحاليق الثلجية طغت عليه رائحة الفواكه بشكل أقوى مما أحتمله ، ولكنني احتملته ، واندفعت فوق الثلج ضاحكةً ، حتى قادني إلى بيتى السحري ، بيتي الذى سرقته المدينة ، وزحام المدينة ، وبورصة المدينة .
 أما البشر فطيبون ، أنتِ بالذات طيبة ، إن كنتِ قد سمحتِ لكلمات شاعر منتحر ونغمات عود تتقاذفه مقاهي وسط البلد ورائحة طلاء البيوت القديمة أن تجركِ إلى هنا إلى ما يشبه القاع وما يشبه الغرق أحياناً، ولكنه يشبه فى أحيان أكثر الفرانادت التي خلفها الإيطاليون والشاي بالنعناع والسينما الفرنسية والعناق المُحرر من الخوف والقيم والأقمشة فى أول الظلام ، أنتِ طيبة وحقيقية .
 في عُرف المدن الكلمة لا تسمن ولا تغني من جوع ، في عرف ساكني الغرف الضيقة في البدرومات بحوائط سدت شقوقها البوسترات السينمائية ، الكلمة هي الإيمان والحب والشهوة ، ماذا يضير المدن إن نُزعت منها الكلمة والملمس والرائحة ورتوش الفن؟ ، لا شئ ، ماذا يضير القليلين مثلكِ لو توقف الناس عن تجسيد لحظات الضعف ؟ كل شئ .
من مدة وأنا أفكر بأن الفن يلتقطنا ونحن حالمون أو ونحن نريد أن نكون حالمين، الفن لا يتوقف عن العبث بالمنظومات المقدسة والأسوار الحديدية وجمود المدن العطنة ، وأنا لا أقصد الفن الذي يحمل تلك الرسالة بالذات ،
بل أقصد الفن كشخصية، لا أستطيع حقاً أن أكتب عما يدور ببالي من أفكار بشأن تلك الشخصية بشكل يبدو منظم ومنطقي ، لكن كمحاولة غير متعوب عليها ، فأنا أعني تلك الأشياء الصغيرة التي تتحسسك من رأسك لقدمك وتنفض جسدك دون حتى محاولة للمسك، أشياء كرائحة صوت البيانو في غرفة مظلمة بعد منتصف الليل 
، كلمات ك : " Your skin smells like light , are you the moon ? " مررت بتلك الجُملة بتمبلر وأنا اكتب تلك التدوينة ، 
سريالية  نص سينمائي ما والكثير من الألم والتشابه فى صورة سحرية مكتملة وكذلك موقع متميز في قاعة السينما فى ركن هادئ لا يسمح لأحدهم أن يعبث بتفاصيل الفيلم فى رأسك أو أن يرغمك على تكوين ذكرى ما تحمل ضحكته أو بصقه على الأرض فى أعظم مشاهد الفيلم، ذلك ما أحاول توضيحه ولا تساعدني قلة حصيلتي المعرفية على توصيله بشكل سليم ، أؤمن أن تلك الأشياء هي مفاتيح صغيرة جداً تفتح أبواب ضخمة إلى تلك المناطق البعيدة العطشى فى الروح ومن ثم فى العقل ، تفتح قيود وتزيل أتربة كونتها مئات السنين مخلفة وروداً ناعمة يغلب عليها اللونين الأحمر والأبيض ،  
 توقفت عن الإيمان بما يُدعى الفن الهادف الخادم لفكرة ما ، زاد إيماني بالهلاوس وبقايا الأحلام ، بالصور المهزوزة ورائحة الجسد وأصابع اليدين ، غيرت عنوان المدونة إلى بيلليترست وأنا أعرف أنني لست كذلك ولكنني معمية بالغواية ، البشر يعرفون الحب ، البشر يغوون ويغتون بالحب ، محاولات الفهم ها هنا هي أكبر مضيعة للوقت والفطرة ، ما من داعي لفهم أي شئ ، ما من داعي للتحدث فيما لا نفهم ولا نريد أن نفهم ، المسميات خيانة كبرى في حق المعاني والألوان ، المدن ترغب فى المزيد من المسميات والإطارات ، المدن ترغب فى المزيد من التوضيح والقواميس والقيود ، المدن قاسية وشريرة .


The dreamers - 2003

Saturday, May 21, 2016

إلى إبراهيم أصلان و البندول النحاسي


خيوط الدم المنحوتة تحت جلدها الشفاف يراها من بنصف عين ، جروحك التي تصورتها في نفس المكان حجبها سواد جلدك، أنت لست هي، لا قبلة يغلفها الذنب على جبينك الليلة ولا يد جراحٍ يبدو جنوبي الأصل ستمتد لوقف نزفك الغير مرئي، تبدو مُتعب وغير جميل، تبدو نتيجة لما للطبيعة وما عليها، تبدو هي صغيرة وأقرب لله ونظرية الخلق، تبدو من الجنة وبلا ذراعين ،
 التحام روحيكما وجسديكما وبقايا طفولتكما لن تمنحك مما مُنحت هي الليلة وأردتَ أن تتحمل منه ولو القليل ، حباً وليس دفاعاً عن نفسك ، شفتاها الحريرتان برقة ولون التوت اللتان صبغتهما الرغبة في شفتيك الخشنتين الممتلئتين قامت الأم الكبرى بكَيِهُما ، أصبحتا غير صالحتين للقبل ، وهي الآن بلا يدين ،
من غير العدل أن تُكسر مرتين كما أنه ما من داعي لكي شفتيك فما من أحد غيرها يرغب في تقبيلك أو لمس أصابعك النحيلة ،
أتذكر جدتك عندما منحتك حلوى الكراميل للمرة الأولى والأخيرة ؟، بدت قبلتها الأولى لك كاستعادة صورة من حلم بعيد وهي " طعم الكراميل " الذي اعتبرت أنك كنت تتخيله من البداية .

كفها الصغير والكف الأخر احتضنا كفك الوحيد لشهورٍ متواصلة وتشربا عرقه وخشونته وشقاءه لعشرين عاماً ، الكفان الجميلان دُفنا الليلة بجانب خالها شهيد الحرب مشبوكيّن بذراعيها ، وكذلك ورد شفتيها التي صبت بلسمه على خدوش جلدك مراراً لليالٍ طويلة في فراشك الضيق التى لم تشغل منه هي ربع حيزك ، أو فوق سطوح مسكنك في الحارة الضيقة التى يحمل أعلاها سحراً لا ينتمى لفقرها وجوعها ، قبلتك طويلاً دون أن تنبس بكلمة ، لأنها دائماً تقول ما لا تريده وتريد ما لا تقوله ، وضعت أصابع كفك بين خصلات شعرها وتركتك تمشطه وتعبث به ومدت أحد كفيها لتساعدك في تضفيره ،
ستنال الليلة ألف قبلة خشنة على شعرها الأسود الطويل وألف كلمة اعتذار على الأذى المُحب كما يسمونه ، سيحرقها جسدها بأكمله وستتعذب فى فراشها وستقاوم التعب وتتحامل على قدميها الملسوعتين وتستند بكتفيها إلى الجدارن الحديدية في محاولة غير مجدية للزحف إليك ، لتصب على جبينك المتعب الماء البارد وتفتح مسام جلدك المختنق بقبلتين ، هما في واقع الأمر لمستان من بقايا الشفتين ، ثم تذهب وتتركك مع ذنب جراحها التى تسببت بها أثناء محاولتك اختراق الزمن ، لا زمن مشترك بينكما ، كلاكما ليس للآخر ، كلاكما ينتمى لعالمه ، لن يتحرك البندول النحاسي ،
تحمل الليلة ، ستختفي صورة العتمة من رأسك في الصباح وتنسي كما تنسي دائماً ، ستعود لحظات التذكر وتؤلمك لكنها لن تطول .

مُزجَتْ روحُكَ في روحي كما تُمزَجُ الخمرةُ بالماءِ الزُلالِ
فإذا مَسَّكَ شَيءٌ مَسّني .. فإذا أَنتَ أَنا في كُلّ حالِ " - الحلاج .





- القصة هي تصور لما وراء لوحة " بندول من نحاس " من كتاب يوسف والرداء للحبيب إبراهيم أصلان .

Friday, May 6, 2016

 ندى /
اعذريني إن كنت أكتب بالمعنى الذي أفهمه واقرأه للكتابة ، تعرفين اقرأ لغاليانو اليومين دول مما يجعلني أدرك أن بيني وبين الكتابة بحوراً أكبر من أن يخُلقها رب اهتم كثيراً بشأن القُبل المسروقة والرقصات المرحة ، اعذريني إن كانت الكتابة قد استعصت عليّ منذ بدء الخليقة ، أتمني ألا تأخذي هذا على محمل الكتابة كثيراً ، ولكن هو كلام ، كلام متأنق بعض الشئ استغرقت دقيقتين أو أكثر لكتابته ليعوضك عن الكثير من الكلام الأهوج غير المرتب الذي أهذي به عندما لا أجد ما لا أقوله ، كلامك عن ليست الأغاني التي افترضتي مسبقاً أنني لن أسمعها جعلني أفكر لدقيقتين أخيرتين عن علاقتي بالموسيقي أصلاً ، الأمر مراوغ  وبديهي جداً يا ندى الأمر يتعلق بهشاشة قلبي وليس بالموسيقي ذاتها ، الأمر يتعلق بضعف يعتريك فجأة ناحية الموسيقى الفلانية أو الفيلم الفلاني أو الكاتب الفلاني لأنك تلقيت ذلك الفن منه وأنت تريد أن تبكى ، فبكيت ثم خرجت تحدث الناس عن قدرة ذلك الكاتب على تحريك مشاعر الحجر ، كان ذلك الحال مع الروك الصيف اللي فات ، عندما أخبرتك أنها الموسيقى الأجمل على الإطلاق لأنها واجهتني برقة في لحظة ضعف ، هناك ناس بيرقصوا ع السلالم مثلي لا يستطيعون بأي حال أن يواجهوا حياتهم المبتورة - بسبب النوم الكثير والرقص على حافة الجنون بلا معنى - لا يستطيعون أن يواجهوها بلون واحد في أي شئ مائة خطة وخطة وألف أغنية من ألف بلد وكذلك عدم إنجاز سوى صندوق قديم يحمل أشياءً لا يربطها سوي قلبي المتهور وعقلي الذي لم يعد في رأسي ، ونقاط في الذاكرة كإستلام رسالة منك أو حتى نوت كتبت على طرف ورقة صفراء تحمل اسمي دون أن أعلم ذلك  ، الروك طيب ومتهور أيضاً ، يعتقد محبو الدوشة فيه الهدوء ولكن هو ليس هادئ بالدرجة الكافية ، الروك رقص ع السلالم ، الروك يلتصق به من هم بلا هوية حياتية أو موسيقية مثلي أنا ، يقول غاليانو في المعانقات إن الذين يأخذون الموضوعية ديناً لهم هم خائفون من الألم الإنساني ، كاذبون ، يريدون أن يكونوا أشياءً حتى لا يعانون ، هؤلاء هم غير المنحازين كما تعرفين يا عزيزتي ، اللي بيشتغلوا نفسهم ، وتلك هي أنا وأنا أقف إلى جانب الروك ، أنا موضوعية كثيراً في هذا ، يقول غاليانوا أيضاً أن الهوية ليست حجراً يعرض في متحف بل هي محصلة الثقافة والبحث عن الذات لذلك أعلم أن كلانا سيواجه شخصاً مختلفاً عند الرابعة والعشرين بإستثناء رائحة الجسد التي سوف أميزها عنك طالما وجدت روحي في الكون ، لا أعلم إن كنت رددت على أي شئ من تساؤلاتك أوتركتها معلقة ككل شئ يجري هنا ، ولكن أعرف أنك ستنتجين شيئاً ما مما كتبته ، أنتِ ذكية بدرجة تجعلني أخاف الكلام معك أحياناً ، أسعدني إختيارك للرقص ، كان الخيار الأشيك فعلاً ، أردت أن أرد الرسالة ولكن يا حلوتي الكلام فن يعاندني ، أستطيع أن أراكِ غزالاً حراً تتبعه أضواء المصابيح الخضراء والحمراء في بارٍ ضيق في ميلانو بفستان لا يغطى أكثر مما تريدين تغطيته ، أستطيع إن أراك تهربين من كل ما يخنقك لأنكِ حرة وسعيدة أكثر مما تعرفين أنتِ ، أريد أن أكتب أكثر فأنتِ جيدة في اختراع الكلمات والمواقف الجديرة بالكتابة ، سوف يكتب عنك يوماً ما ذلك الرجل الذي تحبينه مهما نفى قدرته على ذلك.

Thursday, April 14, 2016

It doesn't smell like teen spirit anymore .



ربما لو كنت من سكان جاردن سيتي ، لأشعلت الآن الضوء الخافت للـ ڨراندة واستندت إلى عمودٍ نحته فنان إيطالى - سكن قاهرة نجيب محفوظ وتسكع في أروقتها وممراتها الضيقة بصحبة فتاة سمراء هجرت العالم والتقاليد حُباً للون جسدها المُشرب بحمرة فرشاته- ، ولرسمت بيدٍ لم تنهكها سوى القُبلات كلمات مقتضبة بالفرنسية أعبر بها عن حماسي لعامي العشرين وأنا استمع للجاز الذي يبدو منقرضا إلا في جاردن سيتي ، ربما ألهمتني رنات الموسيقي وهي تحلق فوقي وتمتزج بنسمات تلك الليلة الصيفية الهادئة والتي تعبث بخصلات شعري وأوراقي فكتبت قصيدة مكونة من كلمتين ، ولكن المشهد يبدو أكثر عشوائية لأن علب الصودا الفارغة تحاوطني وكذلك الكتب التى أرغب فى التخلص منها، ولا نسمات باردة مُشبعة برائحة ليل الصيف تداعبني ، أحفظ القصيدة بقلبي ولكن الموسيقى صارت تتقطع على حافة أذنيّ والسجائر أجمل ما يمكن أن يكمل المشهد العبثي ولكنني مازالت ضعيفة حتى اللحظات الأخيرة من سنوات الحرية واللامسئولية وسأكتفي بتدخين جثتي .
لا أعرف ، لا أعرف إذا كان الأمر يستحق كل ذلك الوقت للوصول إلى معنى ما ، خطة ما أو حتى ساعة رائقة من مواجهة حقيقة ما يدور بعقلي ، ساعة أتوقف فيها عن إستخدام الإستعارات التي لم تعد ذكية بالمرة بعدما استهلكها من لا يؤمنون بالشِعر، لا أعرف ما أحتاجه ولا أعرف إذا كان مهماً أن أفكر في ذلك مقابل أن أفكر فيما يحتاجه العالم مني ، لست مناضلة ولكني لمست الثورة من بعيد بأصابع متوجسة ومازالت أناملي تحرقني ، لست خاضعة لأنني مازلت أتنفس هواءً لم يحاصره الإمبرياليون ولكنه يزداد تشبعاً في أنفي برائحة الدم الأحمر يوماً بعد يوم .
الطريق الذي لا يشبه غيره تائه ، والخروج عن خطيّ المسار المرسوميّن بعناية من رجل دين أو سياسي مخادع مغامرةٌ تشبه الموت أحياناً ، خاصةً إن كان جذب الإنتباه ليس كل ما يشغل مساحتك من الفراغ ، الحلم المُحدد بشروط ليس حلماً ، والحب ليس كما يروج له حديثو العهد بإباحته ، لا يجب أن أسمع لهم حين يرددون بكل تفاخر وثقة في إتساع المدارك " ليس عيباً ولكن العيب في الطريقة التي يُمارس بها " ، الحُب المُحدد بشروط ليس حباً ، والحب الذي قصصت شعري وردمت فوقه ببقاياه كان أشبه باصطناع النوم ثم ترديد حلم مُزيف على كل من جلس بجانبي على مقعد الحديقة العامة ، كان حُباً ضعيفاً ، فضضت بكارته بعينيّ .
خوفي من سرعة العمر كشف عن تقديرٍ أكنّه للحياة ، كنت صغيرة يوماً واعتقدت أن أفكار الانتحار لا تراود إلا من يسكنون سويسرا ، أخبرتني امرأة ذات عينين واسعتين بذلك ، الأشياء مازالت مشوشة ولكن لا داعي للإستسلام والتوقف عن محاولة فك تلك العُقد الأبدية لخيوطٍ كونية لم أتدخل بها منذ البداية ولكنها مسئوليتي الآن ، لن تمر عشرون آخرى دون أن أحدث بعض الصخب الصادق بداخل مجرى حياتي وحياة مظلومٍ آخر ، لن تمر عشرون آخري وأنا مكتوفة الأيدي أمام عينين تمتص كل ما أحمله من سوادٍ ، لن تمر عشرون آخرى دون صيفٍ أخضرٍ على بحرٍ غير هادئ في أمريكا اللاتينية بصحبة حبيبٍ طويل الشعر ويساري المزاج لا يمل من القبلات .

Monday, April 4, 2016

بقايا صداع ومهدئات



هي بقايا صداع ، لست مُرهقة لأنني قطعت الدواء ، لست ساكتة لأن كلامِكِ عن قسوة قلبي أحزنني ، إن تحدثت سيسكن الرصاص رأسي وسأبكي ، وإن تركتني وشأني سأبكي أيضاً ولكنني سأسمح للدم بالخروج من فمي فأجد مساحة للتنفس ،أنا لست ضحيتك ، أنا ضحية تواجدي بداخل نفسي ، أنا ضحية صدفة كونية ، أنا خرجت للعالم من نهرٍ فوجدت قَـدَمي تضربان في قاعه حتى النزيف .
لا أجرح أصابعي لأنني قطعت الدواء ، لا أطوف الشوارع حافية لأنني قطعت الدواء ،لا أفتت قلبي كل مساء وابتلع الزجاج لأني قطعت الدواء ،
أنا لم أنسَ إيمان ، لم أنسَها من ال2001 ، كنت فى الخامسة وأخبرتك عن حزني ورعبي فقضيتي الليلة بجانبي ، لم أخبرك ثانيةً إشفاقاً عليكِ ، ولكن بطني مازالت تؤلمني كل ليلةٍ في موضع رصاصتها ، كبرت واكتملت أنوثتي وصرت أحلم بأني ألقمها ثديّ فتشبع وتنام برصاصتها دون موتٍ ، كبرت واكتملت أنوثتي ولم تكبر إيمان .



أنا انتمي هنا بشكلٍ يستنفذني ، وأوزع علي العالم طاقة حزني فتتمدد حتى أكلتني ، أكلتني طبقة الجليد التي تجمدني في الصباحات ، أكلني حيادي وصمتك وصمت الله ، أخاف الموت قدر الألم ،أخافه لأن الذنب يقتلني ،سامحيني فقد خذلتكِ بكل الأشكال ، سامحيني فقد توقفت عن الصلاة ، سامحيني فقد واظبت على الخمر ، ظننت أن مفعولها أطول من أن يتركني أسمعك تصرخين بشأن كل أمر يتعلق بي ،وسامحيني لأنني قطعت الدواء .