Friday, January 8, 2021

تعريف

الضياع
أن أتأمل صورة جميلة
ويخونني شبح انتباهي
فأرى أكثر من اللازم
أن أقدم حواسي للفنار
أن أوشم ضلوعي بخرائط البحارة الميتين
أن أداوي نقصي بالنياشيين
أن أوهب مخي لشفرة كنز مفقود
لم تنمو عظمته في رحمي
ثم أدس وزني في مظاريف إلكترونية
أرسلها لعناوين منتحرة
عدمت ذاتها في أسفاري
الوصول
أن سحبني بيتٌ
ومنح عطشي الماء والقافية
ونفض عن ظهري ندوب المفارش
ثم إِجْتَثَّ عنقي كذواقة فرنسي
وحشا نخاعي العنب المتبل بالحب والبهار المكسيكي
ولما اتزن جرحي المفتون
هرعت للمتاهة في كفي
لأجدني في الشارع الخاطئ
والليلة الخاطئة.
النور
أن أغمض عيني
وأتقبل سريان الكُره بين أسناني
وأردد
أنا إنسان
أنا إنسان
أنا إنسان
الحرية
أن أغوي جسمي مرة بعد مرة
أن يتكوم في المصفاة
وينساني
وأجري
سائلاً عنيداً
كبتلات الورد تحت المراكب العائدة
وأنام
كالندى على الرمش الفضي
لا ينال مني إلا
حرارة تكوم الحب
أو الحرب
في أحلام العذاري
الحياة
الحقيقة
الأغنية
لا يُقبَل رجلٌ فتاة القبلة ذاتها مرتين



Friday, May 29, 2020

في البحر سمكة


حينما كنت سمكة
سحبني حبلٌ أخضر من حافة المحيط
وعندما امتلكت عنقاً جميلاً
نقرت فوقه يدٌ شاحبة بلا أصابع
غير أنها كانت تغسلني بالملح كلما أصابني الدوار
وحين غاب القمر ليلتين
سبقني جسدي إلى الاكتمال
واختطفني عبر حلمِ نابضٍ
حتى تورمت أقدام الخيّال الأسمر
الذي كبرتُ من فمه عندما أشار إليّ كصبية
فنجوت من جذوري
كثمار العنب الهاربة للمدينة في سيارات التراحيل
وتخلّق نخاعي بظافرٍ لامعٍ
واستقام عمودي الفقري بلا زهو
وجرى الحبر في عروقي دماً
لتختنف المفردة تحت جلدي
ما تريده
أن تسبح إلى ماضيها
أو تضل الطريق متعمدة
لتزحف فوق صدره
أو تتورد من سُرته
إن الحروف من دمي لدمي
أو للتراكم فوق مسامي
لا تتربص بها شمس يوليو
ولا الخفاش الجائع تحت فراشي
أسلم الحدأة السوداء إرباً من لحمي
فتبصق ما علق به من شِعرٍ
أُجرع حبيبي مائه المُحلى
وأرش أملاحي
في حساء سمكة اليابس
مستها عذوبة النهر
 فجرى دمها في حلقه
واستقامت أشواكها بفخر
كأسلاك معسكرات أوشفيتز
  يمكن لرعب تشبيهٍ كهذا أن يقتلني مرتين
وللسمكة أن تغرق مرتين
إذا قبلها القبطان على بطنها.




Friday, April 3, 2020

Juxtaposition




You locked me outside for a hundred years
That’s where I learned to be

But my knuckles
they grew so sensitive to pain
And then
you slowly pulled the curtains
I’ve never seen an auditorium so small
Can it be a dream?
Remains of your essence could hardly restrain
my intoxication of your veins
Passing through your gate
I had to shrink over and over again
Flesh free of shame
I am no surgeon  
I am no mortician
But I had my fork in my belt
Can it be a shield
against a deceased arm standing by its own?
I amputated your shoulder
to  eliminate the ghost of her resting head
Even when they are helpless
Your hands scare me
I lectured my skin on avoiding their screams
but my micro lungs got arrested in-between
I don’t breathe
Kayaking  on your red ocean
I want to shower your heart
But it’s a coffee bean
too dead to orgasm
Your pleasure spots are functioning no more
so should be your proud knee

Melting your right ear
to extract everything you said was true
smashing the left
I can’t taste what I injected yesterday
I couldn't fit 
amid the wreck 
I couldn't escape.
The earth should flatten around my debris.
Shrinking lover from Talk to her (2002)










Thursday, March 12, 2020

إلى ماما

 في البدء
نادى أحدهم أمه في مطلع أغنية
ليستقيم الشجن
في الأوتار المشدودة 
وحول عنقي المشرئب لمودة الأرصفة
التف حبل كلماتٍ ساذج يتوق لعبق الجدران
وتقول أسطورتي أن 
أحدهم هز النخلة التي أينعت أعلاها سيقاني
وأسقطني في بركة دمعية 
جابهت أمواجها بفعل خبراتي في مسبح الحب 
سوره كان نسيجياً
سكب من حولي حدود الكون
إلى أن خرجت مشيمتي 
حينما لمحتها
حررت صرختي الأولى
وبكيت 
لأنها كانت صغيرة جداً
وانهار عالمي بالكامل
لساعتين
ثم استيقظت على قاربٍ أخضر
له نفس رائحة مهجعي 
فأنكر جسدي حياته السابقة 
وعانق المدى بلهفة 
بحرير مبللٍ بزيت الياسمين 
نزعتْ شرنقة وحدتي في غياهب الرحم 
ليحل الضوء في عيني 
ولما رأيت الحنان 
لم يكن يرتدي جسداً 
بنهمٍ ارتشفت نوتاته الشحم 
والجلد الشاب 
والتنورة الزاهية
فوق التشوه الذي ألحقته بخصرها
جر غموض الظلال حواسي
بين الأصابع المائية
تغسل مجاهل الغابات
التي أنبتت كعوبي 
صدفة في أرض غريبة 
وفي حيرة كولومبس 
عبرت إلى العالم الجديد بين ذراعيها 

من بين جذور أسناني
سربت إلى أحشائي حليبَ القمر
والتقطت اسمها
من همهات البراري
ورافقتني لكهفي
تهادن الرموز
وتترجم الرسوم التجريدية
إلى إشارات حرارية
وتكبس قلقي بالمعجزة
ولمرة أخرى 
تذبح
شرنقتي التي قُتلت بداخلها
على باب الواحة
التي نبتت من سرتي
وصار الفصل بيننا مُرهق
حتى في حبكة الكلام
أو أن ربما الشعر يهرب 
كلما انطوى ذكرها

العرافة البلغارية تقول 
أن الرجل الأول 
لم يكن صادقاً كل الصدق 
وُلد لامرأة جميلة 
تجول الشرق 
وتجره لاستكشاف الحب 
في ضجر الجبال 
وارتباك الميادين 
واشتهاء الموت 
وجال عمره 
يعانق خيال الصغار 
ويستخلص اللحن من فوهة صدره 
وصمود البنيات القديمة 
وعندما جفت السوائل حول قلبه 
بدأ الكلام بأمه
وأنهاه بأمه.

وروت أيضًا 
أنه في أول التاريخ
لمعت في عينيه فريسة خضراء
ومشى الشاب الأسود
تغازل عضلاته الرمال
وأخذته الهجرة
وأنضبته الصحراء
حتى تحللت أقدامه
وخر على باب كهفٍ
وبيدٍ تذوب
رسم يديها 
ويديه
تخر دماً 
يمتزج بخير ثدييها 
وبكي ليومين 
وهو ينادي أمه
ومات

تعثرت في غرامه
في فصل ما من تاريخ جسدي
ثم أرفقت أنا أيضاً أمي بألف كلمة وتهمة عاطفية
لأن مناداتها في أول الكلام
وفي وسط الساحة
وفي نهاية المتاهة
تشبه السفر ليلاً
تجلي الكحل عن جفني
وترسخ خيوط الشجن في صدري

A photograph from "the Egypt, Mother and Son project" by the french photographer Denis Dailleux.


Friday, February 28, 2020

قُبلة


كانت النجوم تسقط مع المطر.
حدث ذات شتاء أن شهدت أطول ليلة في العام، أتساءل كم نهاراً دَاهَمَت لتحصد كل هذا الوقت، وكان ظلام حارتنا صارماً في فرض ملامحه، حتى أضواء البلكونات الليلية امتنعت بدأب عن نزف ساعاتها فوق المسافات النِديّة، لم يشق المدى بصعوبة سوى ولعة عم حسن جميل، بسببه مازال الدخان ينخر صدري كلما بكيت.
في مملكتنا درت الليالي ألاحق وقار السماء من فوق دراجتي الضريرة، يدحرجني الوحل وأصادقه، أملأ قبقابي بحبات الرمل الباردة وأغطّس أنفي وذقني في برك الطين، وأحتفل وحيداً بانتصاري على أمي ومسوخها التعيسة وحقول الجن التي مازلت أبحث عنها، كنت أميراً عربياً تحملني سجادتي السحرية لما وراء حيادية الأصواف، أو دباً منزلي الصنع تتلاعب الأصابع الباردة بخفة أليافه المتهالكة، ربما لُفظت وربما ذهبت على قدميّ في تلك الليلة نحو صالون الحلاقة المستجد، كانت مساحته صغيرة لا تتسع إلا لزبونين، يافطته زرقاء وواجهته زجاجية تحمل رسماً زيتياً مُفرغاً لرجلٍ بلا ملامح له شعر كثيف، ترويت في مسح الزجاج المعبأ بالبخار برسم كائنات صغيرة تسبح فوق ما تركته عمداً ليكون البحر، ومن بين الفراغات الضيقة للشيش الأخضر رأيت رجلاً يُقبل رجلاً آخر.
 لم تكن قبلة إِحْمَائية تتعجل لابتذال العتمة ، كانت قبلة شغف، تتمهل وتتصاعد شبقاً لمرتفع ما يقع على خريطة أجهل بها، فعلٌ عصي الترجمة على طفلٍ مازال يرتبك في تقديره لحركة البشر حول بعضهم البعض، مرت دقائق وربما ساعات وأنا والرصيف وحدة غير منسجمة، تحزم جسدي الشحنات المتسارعة من وإلى عمودي الفقري، تيبست أطرافي وتشقق صدري كأن السماء قد استندت بكافة ألوانها إلى عظامي الرخوة، عصرت بطني بيدي ثم رفعت ذراعي في غفلة عن نفسي، ففررت غارقاً في الليل أبكي وأنزف من بين فخذيّ، لا أعرف ما يجب أن أفعله بما يصعقني ويريق سوائلي، همت على وجهي، جريت في الأرجاء، تعثرت في دكان عم حسن، ناولني كوز بطاطا وطلب مني العودة إلى البيت، التهمتها بلا وعي ، لم أتبين لها رائحة ولا طعماً، اتكأت على عتبة بيت عمتي نبيلة وأنا ألهث في رعب الليل، ظننت أني عرجت لأرضٍ عالية سحبت مني دم الغريب، أو مت وبعثت في زمن آخر، أو أنني امتطيت البراق في هيئة دراجتي المسكينة وتخيلت كل القصص التي سأخبرها لسعد، صديقي الوحيد آنذاك.

لم يستر تمادي الظلمة رجفتي، تسحبت إلى الحوش الواصل لبيتنا، والليل يتدحرج فوق كتفيّ وينهمر من بين ساقيّ والدخان الأسود يتصاعد من رأسي ليحل عقدة النهار، بدأ صياح الديوك، وهبا النور في أنفي، أغمضت عيني وضغطت جفوني كأنني أحاصر الفجر ليملأني بما تصبب من مسامي المشرعة على مصراعيها، ورحت أتسرب بهدوء خلف باب الجحيم، غمرتني سخونة الفراش ورائحة الجو المعبأ بالنوم، تدثرت بجانب أختي الكبرى زهرة، تأملتني لثواني ثم لفتني بذراعها الأيسر وعادت للنوم، كانت تكبرني بعشرة أعوام، لم أفهمها كثيراً، ولكنها كانت ذات مزاج متزن، تقوم بأعمال المنزل كأنها راقصة معاصرة، تستخدم أصابعها بحساسية وترمي الفضاء بنظرات مغتربة، تتحسس ذراعيها في الظلام ولا تتحدث كثيرًا، تقف أمام مرآة الدولاب لساعات لتنظف سُرتها بسائل اخترعته بنفسها، لا يلوث الفضاء من حولها إلا سباب ولعنات أمي المستمرة، لم يمر يوماً دون أن تؤدي هذا الطقس الرطب على مسرحها الآيل للسقوط.
مر يومان وأنا لا أتسلل ليلاً، كنت انتظر عودة سعد من بلدة أبيه في أقاصي الصعيد حيث يمشي عدة أمتار للتبول في زريبة أقاربهم، جعلت قصصه تلك وضعي حيث أعيش أقل إيلاماً، وكانت اللهفة تشق صدري لأروي له ما رأيت، لكن رد فعله جاء باردًا، أخبرني أنني مخطئ وأن بالطبع ما رأيته هو رجل يقبل امرأة لأن الرجال يقبلون النساء، أكدت له لكنه لم يسمعني وقال أنه يعرف تلك الأشياء جيدًا وخبرته تفوقني فيما يحدث بين رجل وامرأة، أعتقد اليوم أنه كان ينكر ما يعرف أنه ربما حدث لاثبات تفوق جنسي مفهوم لمراهق بدأ لتوه السباحة في غابات الجسد، لم أفكر في ما يقصده قدر ما فكرت في غضبي، سعد كان أكبر أصدقائي في ذلك الوقت، خفف من يُتمي كثيراً واحترمته كاحترامي لزهرة، وكنت أتبعه كظله، وتجاهله كان بمثابة تجاهل الناس جميعاً.
وترددت كثيراً قبل أن أحكي لأمي عما رأيته، كنت أتذكر بوضوح الصفعة التي هوت على وجهي عندما حدقت في قبلة تلفزيونية متعجلة، وكانت أمي متزوجة من رجل يأكل اللحم قبل أن يستوي، تجره جراً كل جمعة لغسل جسده الضخم، لم يحبني ولم يستمع إلى ما أقوله بل كان دائم التعقيب على تساؤلاتي ب: " بس يالا بلاش هطل " أو كلمات أكثر بذاءة أو بالضرب الذي لم يكن مؤذيًا لهذا الحد لأنني اتخذته كعلامة للحضور الأبوي في حياتي وكنت في أشد الحاجة لوجوده حتى لا أبني كل ما يريد أن ينطق به تكويني حول سعد أو بالأحرى بداخل سعد.
 كنت أعرف ما ينتظرني، لكن الكلام في أحشائي كان يؤلمني ألمًا جسدياً، فعلت ذلك على طاولة العشاء، وكنا نتناول حساء حضرته أمي على مرقة صناعية إلى جانب المسقعة والخبز المحمص، سردت قصتي وثبتت عيني على زهرة، تثاقل الصمت في الهواء وكذلك قلبي في صدري، فقلت: مش متأكد سعد بيقولي اكيد بيتهيألك، اضطربت وكدت أوثب من مكاني واختبأ عندما ألقى زوج أمي بسلطانية المرق الساخن على وجهي ورقبتي، لم أصرخ، صرخت أمي وهرعت باكية لإحضار الثلج والكمادات وهي تسبه وتلعنه وتدعو عليه بالخراب والموت، كانت زهرة تبكي ولم تقل كلمة واحدة، في الفراش صبت فوق رأسي ماء الورد والدموع واحتضنتني ولم تنم.
 لم أخرج لأسبوع لأن وجهي كان يبكيني، زارني سعد وحدثني عن مصير صالون الحلاقة جراء فعلتي، وأحدث الشائعات حول من كان بالداخل، يقال أن عم هلال الحلاق قد طرد ابنه من البيت، وفُتح أمر أصل تلك العائلة التي غزت حارتنا بلا مقدمات ولا تاريخ، وقيل أن محله السابق في منطقته التي لا نعرفها قد خرب أيضاً من وراء ابنه الشاذ الملعون وأن حارتنا ليست مدفن للفجور والفضائح، القليلون طالبوا بالتريث في الحكم وحسن النية حتى تظهر الحقيقة، ولكن ذلك لم يحدث، كسر المحل فوق رأس من فيه بلا تأخر، كان يلومني على كذبي ولكن ليس بكلمات واضحة ربما لأنه تعاطف مع قبحي الوليد.

آسف، ربما تفاعلت مع سؤالك بعاطفة مبالغ فيها، لكن تلك هي حكاية الندبة ،كانت تحرقني لسنين، ويهيأ لي أنها تدر دماً تراه زهرة فقط، دون شكوى مني كانت تقبلني كلما شعرت بذلك، أعرف أني لست كما أتصور وتتصورين الآن، هي فقط مداعبات الطفولة، كنت أتصرف بحزم مع نفسي، انتقلت إلى هنا وأنا في الثامنة عشر، ومنذ أن وطأت قدماي تلك الغرفة بدأ تحدي الجوع الصغير، ثقب في رأسي لا يرتوي، لأسباب لا أفكر بها كثيراً تصحبني حسناء كل ليلة إلى تلك العلبة الضيقة، ربما مظهري الغريب أو لكنتي المضحكة أو رائحة العود تمنيهن بفارس شرقي جريح، تكتمل استقامتي في الرحلة الشاقة فوق تلال نهودهن، وأُدفن نفسي بجانب جسدي في قبورهن الضيقة. 

 "هل يمكنك أن ترحلي الآن؟" رمقتني باستغراب وربما ببعض الامتعاض وسحبت حقيبتها لكنها استدارت مرة أخرى وعادت وقبلتني بحنان، قبلة طويلة بعض الشيء ثم رحلت، التهبت شفتاي وربما نزفت، وسرى الوجع في أنفي وعيني بلا رحمة، هرولت في أرجاء الغرفة أبحث عن هاتفي لأتحدث إلى زهرة، ولكنني لم أجده وكذلك لم أجد محفظتي.
A photograph of Robert Mapplethorpe


Tuesday, February 25, 2020

في رثائنا يوم موت الطاغية

من كانوا أشجع -ولو قليلاً- من نسلنا
أكثر حزنًا من المرسلين
أعنف رغبة من العاصيين
يشبعون وجدانهم بالخمر الرخيص
وألسنتهم بمستخلص الماضي
قصير المدى
سريع المفعول
تتقوس عظامنا في المهد
عندما نهدي انتصابنا

لشموخ النخلات
بنات النور
ليت الشمس
تمنح
نصف ما تأخذه
نركع للأرض
بالدموع
واليقين
ندفن السر
وسوء التغذية
ونولي وجوهنا

 قبل المشرق
حالمين


يشدنا للأرض
نصيبنا من فضلات الجاذبية
وإن لم يمنحنا المجلس المعونة السنوية
وانفلتت أجنحتنا
بفعل نقص المواد الجاذبة
تثبتنا
أطنان الحجارة المتواطئة
التي حملها الجد
خادم فرعون
ومازالت تطارد أكتافنا حديثة التكوين
الحجارة عاقر
لكنها حامل مخلص
لإرث الشقاء
جلدنا الحافي
تهدر منه الحكايات
بكلمات مصبوغة
بمنقوع السمار
نتربع في العصاري
تحت مظلات أجنبية
نلعنها
ونسترق الوداد
في جمال النبي نمدح
وفي حسن يوسف نقول
وفي الليل


نُحرم جراحنا إلا على الربابات
نحكي سيرنا
وكأننا السلاطين
في قلاع
حررت عبيدها
ومكنت جواريها
في الأحراش الحضارية
فوق الكذبة
نرش البهارات
ونشعل البخور
حتى نكافئ هويتنا
ونتزعم الأساطير 
رجل المدرعة - يناير 2011

Saturday, December 21, 2019

الخروج الآمن من بئر الموت


‎حصان أسود يقع في حب عجوز شهد ميلاد الحرب
‎في قريته الخاوية على عروشها
‎ يرمح في البيوت المهجورة ويصهل فوق الرمال الهالكة غرقاً، لا يرقص إلا على الموسيقى الجنائزية، في ذيله نبتة، تلد أراضي صالحة كلما لمسه الشوق، البحر يمشي ورأسه ثابت، البحر يدخل إليه، أقدامه مغروسة على الشاطئ، لم تغفر كفلول جيش الرب المهزوم، ولم يُغفر لها كالخيانة المستورة والمرتجفة في حُفر الوقت
...

‎فوق الجسر الأخضر يترنح شبقاً للبحر، البحر أعمى، يهيم على وجهه ليلاً وتتجاهله النجوم بقسوة، تقبله الشمس فيسلم أمواجه لفتاة يعتصرها الألم تراقصها بخفة كئيبة أو بكآبة خفيفة، تقوده باكية في خضم ظلامهما، مياه وجدت نفسها تجري بلا سبيل، ولكن لسبب ما هي السبيل، تغمر الجواد الفاحم وترتشف أوصاله برقة وثبات، تبث فيه برغبة كل ما اغتصبه راسم اللوحة، إِكسير الصلابة رغماً عن سيولتها، الحنان الأحمر رغماً عن زرقتها، الأزرق المقتول يُبعث من جديد ويشق قلب البحر بالبرد واليتم، 
الفرس يفر في رعب الليل، يهيم على الشاطئ النحاسي
...
‎التقيته منذ عدة قرون، حواسي المذهولة بوسع الصحراء في عينيه، وأنفي الغارق في مئات السنين من الغابات الاستوائية، لا يحمل بالضرورة رغبة عربية في مرافقة حصان أبدي يختال بدهشة عينيه بين القرون ويقتفي أثري من زمن إلى آخر، نغتسل معاً مرة في ضوء القمر، ومرة في البحيرة الضحلة، لم تكن البحيرة دائماً ضحلة، مرت قبيلة ما هاربة من طوفان بشري، من بين تلك العشيرة ثلاثة حالمون بجفون خضراء، سقطت آمالهم في قاع البحيرة، تسربت من بين أياديهم وأيادي عشرة آخرين عبروا صدفة تلك الصحراء النازفة خارج المكان.
‎حصان أسود يقع في حب امرأة دفعت بالحرب من بين فخذيها، بحنان أم لا تدرك أنها تحمل بداخلها مسخاً أسطورياً، ينزل من رحم امرأة إثر امرأة، يموت فيولد، ويولد فلا
يموت قبل أن يميت أمه وكل من كان لها
...

Bojack Horsman (2014-2020)

Friday, November 15, 2019

To Maya.

Maya, the 20th. 
A running waterfall in a fixed portrait 
The colors..
the lights,
 the shades 
Are all hers
But the fellow items
 are of no life.
The host frame 
Is of no origin
The fancy palace of hers , Maya the 20th
Is a bit cannibalistic
It shamelessly eats on the soul.
I stand outside
 during the good times
Watching her thrive 
The nomad in her lungs 
Is satisfied but restless 
Maya the 20th
Is restless .
I wave at the cuddling atoms 
Stuck in the air 
around her hair 
They  sometimes wave back 
I hear ‘em 
Those acidic ears of mine 
Absorb forbidden sounds in fear 
I am no boy 
I am no woman
I am two hazy eyes 
Staring at islands of words 
With fatally deep water.
Electrified once or twice 
By threads of voice 
Escaping your mountain 
Without saying  goodbye .
Maya the 20th is mad
20 years and she’s mad 
And the stolen threads
I keep under my bed 
Are throwing salt of the sea 
They splash it into my face
I can't see 
But my vision 
is up to the sky
Maya the 20th 
Is an amazed kite 
That’s just been let go 
By her faithful child
She’s wandering the world 
And what a sweet
Sweet
 fall.

Monday, November 11, 2019

عود الثقاب الأخير


أقيمُ بعلبة ثقاب
هادئة
كصحاري الجليد في سيبيريا
لكنها أيضًا باردة جداً
بالنسبة لعود ثقاب
تثقل رأسه الصغير كيماويات لاذعة
تهيم باللهب 
وتسرع باحتضانه
يتعانقان إلى جحيم أبدي
لمثل هذا الشوق
تلك الحرارة
هي الفردوس في حد ذاته
لحظات التوهج القصيرة 
هي سنوات شهية لراهبٍ جائع
ترجمة مطولة
لحروف مقتضبة في اللهفة
ذوبان لا احتراق
تزيده الرعشات الصغيرة
تداعي
له بريق
لا ينطفأ
حين يحين الإنهيار
رأيت ذلك إحدى المرات
واقشعر وجودي
حتى ظننت 
أني سأنكسر من المنتصف
بالكاد كتمت صرختي
خلف قضباني
ثم
بقيت هنا
وحدي تماماً
لا يحك أحدهم صديقًا
في جانب العلبة
ولا يقاطع صفوي
عبث الدخان
يهيم في النسيم الأزرق
كالطفل غير الشرعي
غير مرغوب فيه
لكنه كأي طفل
جميل.

اليوم 
تحركت يد أحدهم فوقي
كان يبحث عن آخر عود ثقاب
كدت أصرخ: أنا هنا
التقطني من الركن الأيسر
أنا ألامس مكمن العلبة
الهلاوس التي تسببها 
تلك المواد سريعة الاشتعال
تعدمني في كياني الشاعري
يجتاحني وهج إلهي
يحرق جسدي 
ويُسكر رأسي
لقد انتهك جسدي الحب
وفنيت
أنا أنير بالكامل
كـليلِ الغابة الإفريقية التي انتُزعت منها
لا يوجد أجمل من رمادي
تلك هي أجمل لحظات حياتي.




Friday, October 4, 2019

ليلة الجمعة 4 أكتوبر



بالكاد أعرف ما يمكن فعله، حلقي مزروع بالتجارب، علامات الألم تتعانق فوق جلدي، أحمل بين عينيّ وداخل أذنيّ أرق ما أفرزته التجربة الإنسانية، ولكن عظامي لم تتزحزح خطوة عن خبرة الطفولة، بسذاجة وخيال ووحدة الأيام الأولى أفعل ما يحلو في عيني طفلة لم تتعلم أن تخشى الموت، ثم أواجه بعناد فارغ كل ما يعنفني، الأشجار، البيوت، قطاع الطرق، الجمهور الغاضب من أدائي المهتز، يجب أن أقضي وقتاً أطول في فعل ما يتوقعه الآخرون، ولكن الوحدة علمتني أن أتجاهل الحقيقة إن كان المقابل هو الحب، وألا أهتم بجذب انتباه نملة إن كنت أعبر المحيط على متن قارب غير مجروح من منتصفه.

حين تقول الطبيعة ارقصي فإني أرقص حتى وإن لم يكن جسدي حاضراً، لأنني مللت الحقيقة التي تلصقنا معًا وتلزمني به بلا توقف.

على حافة البئر أقف دائمًا، إن افلتتني يد الآمال والطفولة سأبقى في القاع، أشد المارة الفضوليين إلى أسفل لدقائق أو لأيام، أطعمهم الورود وأغطس خيالاتهم المتألمة في المروج الواسعة، أحرر آمالهم من الرقد الأحمق في تربة منسية في صدور من يحبون وأتسلق أعناقهم حتى نبتلع معًا تلك الأغصان التي تخيفنا ظلالها، العصفور لا يتألم أبداً في قلوبنا.
لا نبرر الجراح، لا نقذف بقايا الحب بالأحجار الثلجية، نبلل أصابعنا في أنهار الكراميل حتى وإن لطمتنا أمواجها حين ندرك أننا لسنا إلا صورًا مهزوزة غير دقيقة لخيالات أمهاتنا الطيبة.
بالكاد يعرفني التصرف الصحيح، بالكاد يذكرني تاريخ جسدي، بالكاد أكبر وألوث الصدق في حنجرتي، بالكاد أدرك ما حملتني به تجارب المسارح غير الخشبية،
ما أقسى رقة الهواء الليلة .



Burning (2018)

Wednesday, September 11, 2019

إلى ليڤ أولمن

قلتُ:
سأُقبّل جفنك الأيسر
الجميل بشكل لا أحتمله
وأداعب أذيال الخيل
المنسدلة فوق رأسك
لمائة عام متواصلة.
إن باغتني النوم
سأجابه جسدي
بدمعتين مسرحيتين
دون أن أتلف تصفيف شعرك
إنْ كذبتني الأبدية
سأعود بالزمن
وأشوّه بنيتي القصيرة
لأمنح عينيك الغريقتين
كل ما حمّلني به رصيف بيتنا القديم
الذي لم يبدل ملابسه إلا يوم أخذنا الترحال.
أمنحُك الليلة الأولى
التي قضتها الصغيرة في غرفة منفصلة
انتهت زفتي لجدران الاستقلال
تُركت بابتسامة خلف باب الوحدة
وبرفق
سحبته أمي
في ظرف دقيقتين
كشف الظلام
عن كائنه الخرافي
ارتعدتُ
وابتلعتُ الصراخ
خوفًا من عقابه
أن أموت غارقة في دموعي
حقنني في قلبي
لم أتألم
تنفست بعمق
وطرقت الحديد فوق ركبتي
كانت ركبتي صغيرة
وكان سريري باردًا.
لم أنتبه عندما اندلق سوادُ شعري
بين أهوال الليل
فتنتي الأحجار الكريمة
الهاربة إلى الأعلى.
بكيت في ليلتي الأولى
لأن النجمة البعيدة جدًا
لم تجيبني عندما سألتها
لماذا لا أنام في غرفة أمي الليلة أيضًا؟
تلقيت درسًا مفاده
تعريف مفصل لمفهوم الانتظار
وقلت عندما تأتي
سينسحب الشوقُ من جسمي
وسأُقبّل جفنك الأيسر
الجميل بشكل لا أحتمله
وأداعب أذيال الخيل
المنسدلة فوق رأسك
لمائة عام متواصلة.
أما الليالي التالية
صار الأمر أسهل
كنت سائحة مستدامة
في منجم الليل
أنتظر رائحة الغروب
وأتسلق الشبابيك
تدعوني صديقاتي البكماوات
إلى بيتهن السحري
في إحدى الزيارات
تشعلق الذهب في عنقي 
وفي ليلة أخرى
هاجمني القمر
وتعلق بأذني
أمي أخبرت صديقتها
أنها أهدتني تلك الحلى
كانت المرة الأولى
التي اختبر فيها بشريتها
أمنحُك الحلق والكردان
وضوء عيني
إن لم يشتبه الليل في قمره.
أمنحُك ليلة عيد ميلادي السادس عشر
كل هذا العمر
ما زال يبدو أبديًا
كل هذا الليل
تكوّن على ملابسي
واحتفل السواد بكيانه
على مرفأ جلدي الأبيض
في تلك الليلة انزلقت الحمرة من شفتي
فوق ملابسي
ظنّت الأم
أن جسد ابنتها غريب الأطوار
ينضح بالحب الأول
ظنّ الأب
أني حاربت معركتي الأولى
وقُتلت
ظن حبيبي الأول ممتعضًا
أنها دورتي الشهرية
أما شلالات الخوف بداخلي
كانت تحتفل بالحرية الوليدة
من كهوف الأوهام الطفولية
على صدري العاري
وساقيّ المستورتين
كانت سجوني في تلك اللحظات
تطوف البلاد عن أسرى جدد
عثرتْ عليهم وصفعتني.
حشوت صدريتي الأولى بالمناديل الورقية
وقطعت أذني كي أتجنب موسيقى الآحاد
سقط القمر على أرضية العزلة
اختل الكون بداخلي
كنت أصبو إلى عالم أكبر
وأحن إلى الصغيرة خلف باب الوحدة
واحتجتك لتسهر بجانبي
وأُقبّل جفنك الأيسر
الجميل بشكل لا أحتمله
وأداعب أذيال الخيل
المنسدلة فوق رأسك
لمائة عام متواصلة.
في عامي الثالث والعشرين
أقف على ضفة نهر السلام الزائف
يحطُّ الصغر فوق رأسي
وينفتح القبر تحت قدمي
انهالت فوقي عتمة السماء
وتفتت الليل بين أصابعي
تلاشيت بلا رحمة
أمام الفتنة
فوق كتفيك
انتحر صباي
يطاردني ملك الموت
فوق رموشك
ومن شقوق حائط كوخنا الصغير
وبين كلمات قصيدتك المفضلة
أحاول الهرب  كمجرم محترف
أختبأ بين ريشات عصفورك الميت
أتشعلق على عواميد الإنارة

أجري من وحدة المسنين
في المدن الصناعية
أتسلق الحديد فوق فمك
لأمنح شفتيك الرشفة الأخيرة
لأن الموت قد أدرك ذاته في وجهي
أرحل
وشفتاي ملتصقة بجفنك
وأصابعي بين خصلات شعرك
لمائة عام وأكثر
لأن تلك القبلة لا تعني شيئًا
إلا في تلك اللحظة.
قلتُ وأنا أحتضر:
قبلت جفنك الأيسر
الجميل بشكل لا أحتمله
وداعبت أذيال الخيل
المنسدلة فوق رأسك
لمائة عام متواصلة.